العنف و اللاعنف و المصير العربي

kashtini_invite

العنف و اللاعنف و المصير العربي

خالد القشطيني*

بدأ الانسان مسيرته بالعنف عندما كان مجرد حيوان كالحيوانات لاخرى ، يعيش بالقتل و افتراس الحيوانات الاخرى. و لكنه بانتقاله من الصيد الى الزراعة و الرعي اخذ ينحو الى حياة سلمية بعيدا عن العنف. بيد انه اخذ ينحو لمقاتلة الآخرين بالغزو و السلب و الحرب. سرعان ما ادرك البعض اضرار ذلك و وحشيته. و كان المسيح اول رائد مهم في الدعوة لنبذ العنف. كلنا نذكر كلمته ” اذا ضرك احد على خدك الايمن فأدر له الآخر.” الهمت فلسفته شتى الاولياء والمفكرين الى يومنا هذا. ظهر شيء منا في رسالة نبينا محمد. وهذا موضوع كثيرا ما اثار النقاش. الحقيقة ان بإمكاننا تقسيم رساله الى مرحلتين . المرحلة المكية و كانت رسالة سلمية ترض العنف كليا . و يمكن العثور في القرآن الكريم و السنة النبوية كثيرا من الامثلة التي تحذر المؤمنين من القتل و الاعتداء على الآخرين. ” ما بعثت لأقاتل” قال لاصحابه عندما هموا بالرد بسيوفهم على اهانات المشركين للنبي. و هناك حديث طالما استشهد به السلاميون المسلمون. عدنا من الجهاد الاصغر الى الجهاد الآكبر. قال بعد الرجوع من معركة ، فكان يعتبر القتال جهادا محدودا اما الجهاد الحقيقي الاكبر للمسلم فهو عمل الخير و مغالبة النفس على شرورها و نحو ذلك.

بيد ان هجرة المسلمين الى المدينة حولتهم الى دولة و حكومة. وكل الحكومات و الدول لا تستطيع ان تتفادى الحروب و يقتضي عليها التسلح و حث ابنائها على التطوع للقتال. و كذا جرى الأمر بالنسبة لحكومة المهاجرين في المدينة. وهكذا خاض المسلمون عدة معارك و تردد في القرآن الكريم ما سمي بآيات السيف، التي تحض على مقاتلة الاعداء.

هذه مرحلة الجهاد المسلح ، اوكما قال النبي الجهاد الاصغر. ولكن لسؤ الحظ جرى التركيز عندنا على هذه المرحلة و اعتبروا ان الاسلام انتشر بالسيف وهو غير صحيح و فيه مبالغة كبيرة. فلو تأملنا قليلا لوجدنا ان انتشار الاسلام اعتمد على الدبلوماسية و المفاوضات وعلى الإعلام ، أي الدعوة او الدعاية. و اعظم وثيقة في هذا الخصوص هي القرآن الكريم و ما فيه من بلاغة مؤثرة. هكذا روي عن اسلام عمر بن الخطاب. كان عدوا لدودا للنبي و لكنه عندما سمعه غفلة يتلو شيئا من آيات القرآن و قع بسحرها و تأثيرها فآمن و انضم للمسلمين. وتذكرنا كتب التاريخ ان معظم القبائل و المناطق كاليمن و عمان و البحرين دخلت الاسلام طوعا و بالتفاوض لا بالسيف.

الوقائع الكبرى في انتصار الاسلام هي بدون شك كسب اهل المدينة الذي فتح الباب للهجرة ، ذلك الحدث المهم الذي ضمن انتصار الدعوة ثم صلح الحديبية الذي ادى لفتح مكة. و اخيرا فتح مكة. كل هذه الاحداث الرئيسية الثلاثة كانت عمليات سلمية تامة. و لكننا رحنا نؤكد على معركة بدر و نتغنى ها و نتناسى هذه الاحداث السلمية.

ازداد هذا التأكيد على السيف بالفتوحات الاسلامية ثم الحروب الصليبية و اخيرا صراع العثمانيين ضد القوى الاوربية الذي استمر حتى الحرب العظمى 1914. و بسقوط الدولة العثمانية و سعي الشعوب العربية للاستقلال و الاتحاد ، واصل قادة الحركة العربية هذا الايمان بالسيف. انطلقت النهضة العربية من الحجاز و اضرم العراقيون الثورة العراقية ، ثورة العشرين. و دخلت سوريا في حرب مع فرنسا و اخيرا تمنطق الفلسطينيون بالسلاح لمحاربة الصهاينة و الانكليز.

اجتاحت المنطقة موجات ايديولجية من اوربا ، الماركسية من اليسار و النازية من اليمين و كلاهما بشرا بالسلاح و استعمال القوة و القيام بثورات حمراء للتخلص من الاستعمار و لأصلاح الثوري للأوضاع. التقى كلا الاتجاهين مع الاتجاه الاسلامي في الايمان بالسيف و الجهاد المسلح. هكذا دأبوا على تلقيننا في المدارس بهذه الروح :

لاحت رؤوس الحراب … تلمع فوق الروابي

هيا فتوة للجهاد : هيا هيا هيا هي!

جرى في معظم الدول العربية تنظيم الطلبة بشكل عسكري، ملابس الخاكي و حمل العصا ثم البندقية.

و بهذا الهوس بالعنف و التأكيد على السلاح ، تقدم الضباط للقيام بسلسلة من الانقلابات العسكرية .و سيطر العساكر على الحكم. و راحوا يتقاتلون فيما بينهم و يثورون على بعضهم البعض و ينفقون واردات البلاد على السلاح . بدلا من التعليم الالزامي الذي نادي به في العراق الزعيم رضا الشبيبي فرضوا علينا التجنيد الالزامي.

المصيبة ان هذا التأكيد على السلاح اودى بنا في سلسلة من النكبات و الهزائم . فات على الجميع ان يدركوا ان الشعوب العربية ليست في الواقع شعوبا عسكرية . رغم سعة الامبراطورية العربية فإننا آثرنا التمتع بالحياة ونظم الشعر و مجالس اللهو و تبادل الجواري و تركنا الامبراطورية تتفتت و تتمزق و عهدنا بدفاعها للآجانب ، العجم و الترك و المماليك . لم نسع قط لتطوير قوة عسكرية ضاربة متخصصة بفنون الحرب، كما فعل الاغريق بسبارطة والعثمانيون بالانكشارية ، و الالمان باليونكرز و اليابانيون بالسموراي.

ارجو المعذرة اذا قلت اننا يجب ان نواجه هذا الواقع و لا عيب فيه. نحن امة نفضل العيش بسلام و الاستمتاع بالحياة ، رغم كل ما نسمعه في هذه الايام عن العمليات الاستشهادية و الانتحارية. يا ليتنا فهمنا هذا الواقع منذ اول بداية مسيرتنا النهضوية فتبنينا فلسفة غاندي ، فلسفة اللاعنف او ما سبق و سميته بالجهاد المدني، بدلا من تبني فلسفة ماركس و نيتشة و موسوليني . النضال المسلح جرنا للوقوع في هذه الكارثة التي تعانيها بلادنا اليوم حيث اصبح حمل الكلاشنكوف امنية الشباب و إطلاق الرصاص على بعضهم البعض مفخرة و طريقة للحياة، تضمنت تدمير المنشئات الوطنية والآثار التاريخية ، و سفك دم الابرياء و اغتصاب المحصنات و نهب ثروات البلاد و سلب اموال الآخرين.

تسألونني عن المخلص و الخروج من هذا المأزق. الايمان بالعنف هو الذي اوقعنا في هذا المأزق. و بالتالي فالخلاص منه يكون باستبدال هذا لايمان بالايمان البديل وهو اللاعنف ، الجهاد المدني ، الجهاد الأكبر الذي جاء في السنة النبوية . وهذا جهاد يعتمد على الايمان بعائلة الانسان ، كلنا اخوة و اولاد عم . بهذا المنطلق تحل المحبة محل الضغينة و الكراهية ، العفو و التسامح بدلا من الثأر و الانتقام، وحدة كل الطوائف و المكونات و الاقليات بدلا من تنازعها و تقاتلها ، و اخيرا نبذ البندقية و التسلح بأسلحة الجهاد المدني السلمي.

________________________

* موضوع محاضرة للكاتب في المنتدى الثقافي العربي في بريطانيا

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة