الثورة في ســـوريا بيــــن المسكوت عنه وسكونية التيارات الإسلامية

img

الثورة في ســـوريا  بيــــن المسكوت عنه وسكونية التيارات الإسلامية

د. عبد الرزاق التمو*

 

المحاور: هل هي ثورة شعب أم ثورة إسلامية؟  كيف تنظر الأقليات للقومية العربية في سوريا؟ كيف يرى الكورد مستقبل سوريا؟

 

Ÿ هل هي ثورة شعب أم ثورة إسلامية؟

انطلقت الثورة السورية بجهود شباب سورية وأبناءها دون انتظار إذن أو مشاركة من أي من القوي السياسية التقليدية داخل أو خارج سورية وحتى تلك التي عاصرت الأسد الأب وأضفت عليه نوعا من الشرعية في فترة من الزمن .

مع تقدم الثورة، ويوما بعد يوم، وبإصرار الشعب الثائر على تحقيق مطالبه بصبر وثبات، لم يعد ممكنا إنهاء الثورة أو خفض سقف مقاصدها دون إسقاط بشار الأسد وأركان حكمه. هذه الحقيقة أدركتها القوى الغربية التي واكبت الثورة منذ أيامها الأولى. في ذلك الوقت المبكر من عمر الثورة لم يعد السكون فأخذت بعض التنظمات السياسية وجماعة الإخوان المسلمين تتصدر المشهد الثوري وتحاول إظهار نفسها على أنها القائد المحرك للثورة. كما لم يعد بوسع القوى الغربية الاستمرار بدعم ذلك النظام الذي منحته بركاتها على مر السنين، وكان لابد من التخلي عنه. لكن كيف وماذا عن البديل الذي سيخلف؟

كما هو معروف أن سياسية الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس اوباما تختلف عنها في عهد ولاية سلفه جورج بوش. تعتمد سياسة أوباما على إستراتجية توظيف قوى محلية من جماعات وحكومات لانجاز المهام المزمع القيام بها في المنطقة. وهكذا توسعت اتصالات الإدارة بالمعارضة السورية في الخارج والداخل. وبات من المعلوم الآن أنهم مارسوا ضغوطا كثيرة على أطراف المعارضة المختلفة وصولا إلى تركيبة ترضيهم وتضمن مصالحهم المستقبلية على الأقل في حدودها الدنيا. وهذا كله مفهوم لأن الدافع الذي يحرك تلك الدول ليس دافعا أخلاقيا بريئا أبدا بل هو المصالح كما يعرف لدى الجميع، لذا سكت أهل الثورة ولم يعترضوا، ولكنهم ظلوا حذرين!.

في وقت لاحق من عمر الثورة روجت بعض الجهات الإسلامية أنها صاحبة الحق في قيادة سورية بعد الأسد، فكان المجلس الوطن السوري الذي في الأساس كان عماده الشباب السوري. ولان التيارات الإسلامية  تملك مشروع عابر للقارات وليس مشروع وطني سوري وهي في الأساس نتاج عصر التحكم الدولية في المنطقة في أواسط القرن العشرين .وجميع القادة فيها من ذلك العصر المنقرض .فقد تمت سيطرتهم على المجلس وإفشاله .وبعده ولد الائتلاف من خاصرة المجلس، وسار بقيادة الإسلاميين على نفس الطريق وتنقل من فشل إلي فشل طيلة هذه المرحلة الفاشلة .وخير دليل على ذلك محاولات شراء الولاء في صفوف الثورة والشباب وحصر الدعم في من يعطيهم الولاء فقط.

كانت أطياف المعارضة ترقب سلوكياتهم العامة إلا أن ما يتصرفون في العلن عكس ما يبطنون، وبالفعل نضح الإناء مما فيه  ما في دواخلهم من تراكمات الشيوعية العربية والإسلام العروبي والعنت القومي العروبي، وراحوا يتصرفون كمالك مسيطر ومتحكم بالآخر المملوك الذي لا يرونه أكثر من قشة في مهب الريح. وسلوكيات هؤلاء تتبدل وفقا لتأثير الظروف والأشخاص ولأسباب تخصهم فحسب.

لابد من تأكيد حقيقة أنه ليس هنالك أي جدل بخصوص توصيف الوضع على أنه ربيع أو ثورة، تلك مسميات اصطلاحية تستوعب فعلا محتوى ما يجري من أحداث، لكن الخطأ الاستراتيجي كان يكمن في نسب كل الفعل في ذلك الحراك الثوري المتعاظم للتيارات الإسلامية دون سواها، وإسناده لأيديولوجية إسلاموية لا تختلف عن أصولية داعش. ويغيب كليا من خطابها وأهدافها حق الاختلاف والتعددية داخل المجتمع، بل ابتلعت مفاهيم المجتمع المدني برمته. واعتمدت سياسة تسطيح الاختلاف والتباين سواء كان قوميا أو فكريا أو ثقافيا.

في ظل فكر الثورة الذي ملأ الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لابد أن يقتنع الجميع أن المنطقة برمتها بدأت تخرج بالفعل من قوقعة الدكتاتورية وتودع هيمنة القبضة الشمولية والفكر القومي والمشروع الأممي الإسلامي وتخرج إلى رحاب العالم المعاصر والعولمة الحديثة في تحالفاتها المعقدة وتحدياتها المتشعبة وهي مسيرة قطعاً تتطلب وقتاً طويلاً ومريراً ومخاضا عسيرا وربما دموياً في كثير من أحيانها  حتى الوصول إلي صيغة  دول مدنية تعددية تشاركية بعقد اجتماعي يساهم فيه فعلا كل أبناءها .

 

Ÿ  كيف تنظر الأقليات  للقومية العربي في سورية؟

لعل العنوان  الأنسب لهذه الفقرة يجب أن يكون “كيف ينظر العرب إلي القوميات الأخرى؟”. المعرف انه منذ الاستقلال  مرورا بالعصر الذهبي الذي عايشته سوريا، انتعش الوعي القومي الكردي بموازاة الوعي القومي العربي، وكانت فيه المواطنة معيارا للتقييم، وكان فيه الانتماء إلى سوريا كدولة لجميع مواطنيها واضحا وملموسا، وخلال هذه المرحلة تأسس أول حزب سياسي كوردي إضافة إلى العديد من الجمعيات الأهلية متعددة الأهداف والإغراض، وكان فيها الأكراد مثلهم مثل بقية أبناء الشعب السوري من حيث الحق والواجب.

هذه المعادلة الوطنية بدأت بالانهيار منذ اليوم الأول لدولة الوحدة وسيادة مفهوم نقاء العرق كإيديولوجية تبناها أغلبية “قومجية” العرب، الذين رأوا الوطن العربي وحدة جغرافية وبشرية وكل من عليها هو عربي، وبذلك أنكروا وجود الكثير من القوميات الموجودة على أراضها التاريخية، وعكس بذلك غلاة القوميين العرب الغبن الذي لحق بهم من العثمانيين والإنكليز والفرنسيين إلى اضطهاد للقوميات المتواجدة معهم في ذات البقعة الجغرافية وتحولوا من شعب مضطَهد إلى شعب يضطهِد غيره من الأقليات الأخرى، ونشأ خلط متعمد ومقصود لمجمل المفاهيم والقيم المدنية والإنسانية، ولعل الخلط الأساس الذي زرعته الايدولوجيا الثوروية والقوموية هو الدمج القاصر بين حق الدولة والحق الجغرافي لأي شعب كان. وكما هو معروف أن من أسس بناء الخطاب والفعل القومجي ثنائية التدمير والتآمر، فميزة التدمير التي حملها خرّبت المجتمع وغيبت العقل واستعبدت الإنسان، وميزة التآمر يخفي من خلالها ما فعلته الميزة الأولى من عمليات هدم سياسي وثقافي واقتصادي واجتماعي، لينتج خطاب التفكك هذا تراكما في الفرقة والتشتت وإنكارا للقومي المختلف، الذي تزايد خطه البياني مع تبلور الرؤى التاويلية القاصرة للأمة ودورها، وتحويل ذلك التأويل إلى حقيقة وعقيدة فقدت بها إمكانية بحثها عن ذاتها الفاعلة، قبل أن تفقد ركائز تطورها ومحددات شخصيتها الثقافية والسياسية وتتحول إلى سلطة استبدادية، قمعية، بقي التسويغ فيها هو العنصر المتداول حاجبا للحقيقة مسوغا لشبكية الأفعال والتخبطات المقصودة واللازمة لديمومة امن الحاكم. وكنتيجة طبيعية لتراكم الفعل الالغائي للآخر جاءت أولى البشائر ” الوباء ” مع الوحدة السورية المصرية التي أينعت استبدادا وإلغاء وإقصاء. أن شكل التعامل الرسمي الالغائي مع الوجود الكردي بدا منذ تشكل وتبلور الأحزاب القوموية التي بدأت بحظر أي شيء كردي سواء التكلم باللغة الكردية على مستوى الشارع والبيت إلى منع الزي الكردي والبدء في تغير الأسماء والمعالم التاريخية الكردية، وتحت ضغط النهوض القومي الكردي في أجزاء كردستان الأخرى بدا رسميا الإعداد لمشروع عنصري، شوفيني تجاه الوجود الكردي في سوريا، وأنجز هذا المشروع احد ضباط الأمن السياسي (محمد طلب هلال) وكان بعنوان (دراسة عن محافظة الجزيرة من النواحي القومية والاجتماعية والسياسية) عام  1962 م.

* هناك سؤال روجت له  بعض وسائل الإعلام العربية  وهو متى دخل الكورد  في الثورة السورية ؟

للأسف فان سؤال وبهذه الصيغة يظهر ما تم غرسه في المجتمع السوري حيال الوجود الكردي والقوميات الأخرى في سوريا، والذي يتضمن كل شيء ما عدا الحقيقة والحق.لان الكورد كانوا من أول من عمل على انطلاق الثورة منذ اليوم الأول من 15 و16 آذار 2011  كما شاركت العائلات الكوردية في درعا في الثورة منذ اليوم الأول. وللتذكير كي لا ينسى الجميع أنأنه في المظاهرة الأولى  بجامعة دمشق كان عدد الطلاب المعتصمين 110 منهم 70 طالبا كرديا. بل وقبل ذلك بكثير، حين أجج الشباب الكوردي انتفاضة 2004 ضد بشار الأسد. إلا أن الطريقة المتبعة في التعامل مع الوجود الكردي تتركز غالبا في نفي الجغرافيا والتاريخ من خلال التشويه الإعلامي  وما يستتبع ذلك من ملحقات تنفيذية، الأمر الذي خلق مشهدا عدائيا تجاه كل ما هو غير عربي في الساحة السورية. وكأن هذا “الغير” هو المسؤول عن الفشل في التنمية أو الفشل في تحقيق الحرية وعدم إنجاز الوحدة العربية وحتى انتصار الثورة السورية؟ وهو ما يحدث إرباكا عند الحديث عن الموضوع الكردي في سوريا وخاصة لدى جهتين نافذتين في المجتمع السوري:

1 – الأولى مازالت تحت هيمنة النموذج القومي العربي أو الإسلامي العروبي الوحداني النـزعة والتمثيل.      .

2 – الثانية مفعمة بفكرة الأمة/العقيدة، أي التي تحولت لديها الأمة الإسلامية  إلى عقيدة إيمانية غير قابلة للحوار وبالتالي نافية لغيرها من القوميات الموجودة.

هاتان الجهتان اللتان لا زالتا تعيشان عصر الشعارات الرنانة الطنانة المهترئة لكثرة تردادها، والتي تعود إلى حيز التداول الرسمي كلما تعرضت الأنا القومية  إلى ضغوط داخلية أو إقليمية أو دولية.

ومن هنا نجد عند هؤلاء لا يوجد مفهوم الوطن المشترك ودلالة الانتماء إليه ومستوى العلاقة الحاضنة للوحدة والاختلاف، من حيث أن مفهوم الوطن يحيل إلى كلية الانتماء والى جماعية الإرث الحضاري لشرائحه وأطيافه القومية والفكرية والدينية، وكانت الإستراتيجية القوموية في صهر المختلف تتم بالاعتماد على تقزيم دور هذه القوميات في الثورة السورية.

Ÿ كيف يرى الكورد مستقبل سوريا؟

طبيعي أن الراهن ربيع وليس خريف أو شتاء  يفرض على القوى والفعاليات التي يهمها حماية الوطن ومصلحة شعبه، أن تبادر إلى اعتراف صريح بالواقع العياني واعتماد الشراكة الحقيقة لمجمل قضايا المجتمع ومن ضمنها قضية القوميات الموجودة دون التدثر بعباءة فكروية قومجية أو إسلامية  ترى تاريخا توهمته وتحاول أن تصدق ما توهمته، وهكذا تاريخ قال عنه جوستاف لوبون “لو نطقت الحجارة لكان التاريخ مجرد كذبة كبرى”.

إن ثورتنا جاءت دفاعا عن العقل والحرية، اللذان يتجسدان في تكريس وجودنا الإنساني وتاليا القومي والسوري تأصيلا لتاريخنا البشري ودورنا الحضاري، فطالما نحن لا نخاف الحرية، بل نسعى إليها لأنها تشكل جوهر وجودنا الإنساني فلزاما علينا متابعة مواجهة النظام الأسدي والاستمرار في الثورة .

و كانت لنا رؤى في متنها:

  • العمل على إسقاط النظام بكل الوسائل المشروعة.
  • الوحدة الوطنية ونبذ أي دعوة للطائفية أو المذهبية أو احتكار الثورة .
  • العمل على توفير الحماية الدولية للمدنيين، بما يتوافق مع القانون الدولي وشرعة حقوق الإنسان.
  • أما عن مستقبل سورية نرى أن يكون هناك دستور عصري يقوم على عقد اجتماعي يجسد سوريا كما هي من تنوع قومي وثقافي وديني، بما يتوافق مع المبادئ والمواثيق الدولية، وإذا كان الإسلام دين الأكثرية، إلا أنه لا يعطي امتيازا لأتباع دين على آخر، ولا طائفة على أخرى، وحرية التعدد الثقافي والفكري والديني والقومي يكفلها الدستور.
  • حل القضية الكوردية حلا ديمقراطيا، على اعتبار أنها قضية ارض وشعب، وطنية وديمقراطية، وضمان حقوق الكورد في المواطنة الدستورية والشراكة في الوطن، بما يجسد منعة الوطن المشترك وقدرته على التطور الحضاري، المدني، في إطار دولة الحق والقانون، وعلى أرضية سوريا لكل السوريين.
  • العمل مع شركاؤنا على بناء الدولة السورية الاتحادية بنظام اللامركزية السياسية على أساس فيدرالي.
  • رفض اللجوء إلى العنف والانتقام في الحياة السياسية، والتشجيع على الصفح والمصالحة والتسامح بين جميع المواطنين.
  • إعادة صياغة الهوية السورية بمكوناتها وتمازج وتفاعل هوياتها في دولة تشاركية، مدنية، مكتملة النمو والتطور. وباعتبارها فضاء واسعا يعكس الطيف السوري المتعدد ويعتبر هذا التعدد عامل ثراء وقوة.

_________________

* النص مضمون محاضرة نوقشت في صالون المنتدى الثقافي العربي في لندن يوم 10/10/2014م.

 

الكاتب admin

admin

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة